تقييم الموقع
تقييمك

المثقفون..أسئلة حائرة لكل زمان ومكان

سيمون دي بوفوار: رواية المثقفون

حينما نقرأ رواية يقارب عدد صفحاتها الألف الا قليل، ندرك حينها ان ما قرأناه هو سِفرُ حياة عظيم تتماهى فيه شخصية الكاتب ليغرق في تفاصيل الأحداث ويختلط بالشخوص ويعيش بينها وفيها لتغدو سيرة ذاتية وقصص وروايات ومغامرات وأشياء كثيرة كما تجلت هنا الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار التي روت لنا أحداث سنين من حياة المثقفين وحياتها بينهم كمثقفة فرنسية عاصرت مرحلة مهمة في تاريخ فرنسا الثقافي والأدبي مابين الحربين العالميتين ومابعدهما اثر تشكل الوعي والحيرة السياسية بين الشرق والغرب والصراع الفكري الذي لن ندرك كنهه الا ان عشنا مع دي بوفوار تلك الصفحات الألف.

بعد ان انتهيت من قراءة هذه الرواية الضخمة ومن كتابة مراجعتها في السطور القادمة، لم يساورني شك ان بوفوار قد كتبت سيرتها الذاتية بشكل آخر تمثلت فيه بشخصية “آن” زوجة ذلك المثقف الكبير “روبير دوبروي” أو كما هو في الحقيقية عشيقها الفيلسوف “جان بول سارتر” التي عاشت معه اغلب سني حياتها حتى توفي قبلها بسنوات، و هنري بيرون، اليساري المنصف المعتدل، أو المتمثل  في العالم الحقيقي بشخصية الكتاب الفرنسي الشهير “ألبير كامو” و شخصيات اخرى ثقافية من مجتمعها، وبالفعل عندما عدت لأقرأ المراجعات الانجليزية حول هذه الرواية، لم يخب ظني هنا. تمثلت بوفوار ما تمثلت به وروت قصتها، بل ولأجل ذلك فازت هذه الرواية بجائز غونكور الثقافية الفرنسية عام 1954، و نشرت لأول مرة باللغة الانجليزية عام 1957 تحت عنوان “The Mandarins” وصنفت على أنها من نوع Roman-à-clef الأدبي، وهو النوع الذي تختلط فيه الأحداث الواقعية بالخيالية، وهذا المذهب هو الذي سنقرأه فعلا في “المثقفون” كما عُنونت بنسختها العربية التي عمل عليها جورج طرابيشي (الترجمة في أحسن أحوالها توصيلية!).

تعالج المثقفون لسيمون دي بوفوار العديد من القضايا التي واجهت ذلك الجيل ومنها :

١- جدلية العلاقة بين المثقف والسياسي وسطوة الايديولوجيا عليهما

٢- اثر الحرب على العلاقات الاجتماعية في طبقات المثقفين والسياسيين

٣- مناخ القلق الفكري والنفسي التي تخلفه الصراعات العالمية لدى المثقف كما نرى في عدة شخصيات ترنحت طويلا في الحسم مابين المبادئ والمواقف الأخلاقي.

٤- العلاقات الزوجية في مجتمع المثقفين من خلال نماذج “آن” و “بول” و “نادين” ومعنى الحياة الزوجية في ظل السياسة والثقافة من احد الطرفين او كليهما وسطوة الزوج المثقف وشهرته الطاغية على زوجته وحالها في هذا الوضع وكيف صورت دي بوفوار ذلك بتقمصها لشخصية زوجة روبير.

٥- حيرة اوروبا الخارجة من الحرب والدمار بين المعسكرين الشرقي والغربي.

والأخيرة هي نقطة عميقة نلحظ من خلالها أن جو السياسة الذي فُرض على المثقفين بعد تحرير فرنسا هو نفسه الجو الذي فرض على الجميع بعد بدء ثورات الربيع العربي ومن هنا تنشأ الإشكالية الجدلية عن عجز الكتابة أمام الواقع وأمام الاحداث السياسية والتغيرات.. يأس المثقف امام تحولات مجتمع ما بعد الحرب امام القوى العظمى والحروب والقنابل الذرية حتى لكأنه يحرث في بحر او يغرف من نهر! وهو يُقلّب الطرف منتظرا أي اثر لدوره الثقافي والكتابي في هذا المجتمع الوليد والمتصارع عليه.

تساؤلات عديدة واجهت تلك الطبقة الثقافية وواجهتها بوفوار أيضا ومازالت تواجهنا حتى اليوم في هذا العصر الثائر :

ما فائدة الكتابة وترصيص الكلمات امام قوى تفرض ما تريد وتشكل واقعا جديدا بقوة السلاح او سلاح القوة؟

ما هو مكان المثقف ومنزلته في هذا الصراع الطبقي السياسي وهل يلقي له أرباب السياسة والمال والسلطة اي بال وهو يضع طوبة وهم يهدمون سورا!؟

ما قيمة ان تكتب رواية او تنشر أدبا وهنالك من يموت جوعا وفقرا وطحنا تحت آلات الحرب او حرقا في وميض القنابل الذرية!

ما قيمة صحيفة تصف فيها الكلمات صفا والقرار أخيرا يقع في يد صاحب المال والسياسي الفاسد!!

ماذا عن العلاقة بين الأيديولوجيا والإنسانية كأخلاق والى اين سينحاز الانسان في حال تعارضهما! ألأفكاره المسبقة ام لما ناضل وجاهد من اجله واجل حرية شعبه كما نرى في موقف أولئك الاشتراكيين من اكتشاف معسكرات السخرة والعبودية التي انشأها الاتحاد السوفييتي بعد قهره للنازية.

حيرة المثقف وهو يرى بلاده الخارجة من حطام حرب عاتية تتنازعها قوتان شرقية وغربية تحملان قيم ومبادئ متناقضة فيقع أسيرا بين تنازع وتوازن وانقسام سياسي وحزبي وفكري!

ما اشد وطئ هذا الامر حينما نراه في عالمنا العربي كذلك!

هل يمكن ان تجلب سكرة النصر بسقوط نظام ما ان يندفع الثوار والسياسيون والنشطاء الى تحقيق حلم الدولة الديموقراطية المدنية بكل سهولة دون معالجة قضايا عديدة قبل ذلك كالطائفية المستشرية وحملات الانتقام وغياب العدالة عن ضحايا عقود طويلة من الظلم والقضايا العرقية والعلاقة مع الدول الأخرى وتعويض المظلومين هناك والصراع الفكري والتطرف في تيارات عديدة وغيرها من القضايا التي لا يمكن معالجتها بمجرد وضع دستور جديد ونصب صندوق اقتراع!

هل يمكن تحقيق دولة مدنية عادلة فورا بعد سقوط نظام ما دون معالجة القضايا السابقة جذريا ليتم البناء علئ اساس سليم وهل يمكن غض النظر على القوى الكبرى المتصارعة محليا وإقليميا ودوليا!!

هذا في أسئلة الموقف من الناس والمجتمع والدولة، ماذا عن موقف المثقف وعلاقته مع ذاته والآخ سواءا كان زوجة او صديق او غيرهما؟

كيف يعيش المثقف حياته الاجتماعية والعاطفية؟ قد ينتفض يوما على عزلته وقوقعته التي سكنها طويلا كاتبا او قارئا متبتلا في محراب الثقافة والعلم ليصادق او يعشق او يسافر لكنه سرعان ما يمل هذا التغيير ويخسر صداقات ويصيب من احبهم بالإحباط والألم وقد يستقر ويتزوج وينجب بعد حياة طويلة ولا مستقرة بين ربوع السياسة والثقافة وصراعاتهما.

كانت دي بوفوار تسرد في روايتها تلك أدق التفاصيل في المشاهد المختلفة وتغوص طويلا في بحور من المشاعر والأفكار والحوادث حتى يخيل لك انها لن تنتهي ثم وبشكل مفاجئ يُختزل الزمن في قلمها وتنقل القارئ فورا الى مشاهد وحوادث اخرى دون تبسيط او تمهيد.

في المثقفون تلمح تلك الروح القصصية لفيكتور هيجو ورائعته القصصية “البؤساء” ولا غرابة فالأدب الفرنسي متقارب في مدارسه.

برعت دي بوفوار في روايتها تلك في تجنيب القارئ الملل عبر ما يقارب الألف صفحة من خلال ثلاث وسائل اتقنتها بمهارة وهي :

١- تنويع الرواية بعدة أساليب كتابية فتارة تروي لنا الاحداث بضمير المخاطب وتارة بضمير المتكلم وتارة بلسان هنري بيرون وتارة بلسان آن ثم تارات اخرى متجردة بصيغ حوارية تشعرك بولوج كامل في اجوائها وشخوص أبطالها حينما يثرثرون في السياسة والثقافة والآداب

٢- تنوع الأمكنة والسفر في اجواء الرواية وأحداثها فحينا نكون في منزل او قصر برجوازي ثم ننتقل الى حانة او بار، ونعود الى مسرح او مؤتمر حزبي ثم لننطلق في رحابة اكبر بين البراري والغابات والريف الساحر سواء كان ذلك في اوروبا او الأمريكيتين الشمالية او الوسطى.

٣- القفز الروائي الزمني في الاتجاهين، فحين يشعر القارئ ان الملل بدأ يتسرب اليه لطول مشهد روائي ما، تقفز به سيمون فجأة وبلا اي مقدمات او تمهيدات الى مشهد اخر مختلف وقصة ثانية وأبطال آخرين بلا شعور بالغربة او الابتذال بل سيرا على نفس الخط العام للرواية وبرشاقة متناهية فقد تترك مشهدا قد انتهى وتبدأ مشهدا اخر في زمن يتقاطع مع الاول في لحظة معينة ولا ينتهي بانتهائه، وهذا ما نلاحظه في اغلب فصول ومقاطع الرواية

في النهاية تعود جميع الأحداث والشخصيات الى مربعها الأول، ينتهون من حيث بدأوا “كانا يقولان انه يجب البدء من جديد، وان الانسان يبدأ من جديد ابدا، وانه لا يمكن التصرف بطريقة أخرى”.

كانت اسطورة “سيزيف” يا سادة تتجلى في ثلة الوجودين عبر شخصوهم الخيالية في القصة (آن ودوبروي وبيرون) أو ما يقابلهم من شخوص حقيقين على أرض الواقع (بوفوار وسارتر وكامو) حيث ذلك الانسان الذي كتبت عليه الاقدار ان يحمل الصخرة الى الجبل لتسقط من جديد ويعاود حملها الى الابد.

“ان المشكلة الوحيدة هي ان يقرر الانسان ماهي الاشياء التي يفضلها من بين الاشياء الموجودة. وهذا لا يعني الرضوخ. فالانسان يرضخ حين يقبل من بين شيئين واقعين بالشيء الأقل قيمة. لكن خارج الانسانية كما هي عليه، لا يوجد شيء”

“هناك دوما أشياء فظيعة تحدث على الأرض، لكن المرء لا يعيش عبر الارض كلها. ان التأمل طوال الوقت في مصائب بعيدة لا يمكن علاجها لمتعة كئيبة”

“اننا لا نستطيع أن ان نستخرج من سطح منحنٍ خطاً مستقيماً، ونحن لا نستطيع أن نعيش حياة صحيحة في مجتمع ليس صحيحاً، اننا نلدغ من جديد دوما، من هذا الجانب أو ذاك. وهنالك هم آخر يجب أن نتخلص منه، ليس ثمة من سلام شخصي ممكن”.

“مامعنى كون الانسان لا يكف عن الحديث عن نفسه؟ ولماذا يقرر بعض البشر ان يتكلموا باسم الاخرين، وبتعبير آخر ما المثقف؟ ألا يشكل هذا القرار نوعا قائما بذاته؟ والى أي حد يمكن للانسانية ان تتعرف نفسها في الصورة اليت تقدمها عن ذاتها؟”

تختتم بوفوار القصة.. قصة حياة المثقفين بأسئلة بنصف اجابات، وأسئلة بلا اجابات، وحياة تعود كما بدأت، حيث يعمل روبير وهنري على صحيفة جديدة كما بدأوا أول مرة، وتنتزع هي نفسها من انتحار محقق لتواصل حياتها مع هذه المجموعة تاركة للأجيال القادمة مسؤولية الاجابة وتقرير المصير والاختيار في العلاقة مابين الثقافي والسياسي والذي ربما نظّر له محمد عابد الجابري رحمه الله قبل سنوات بقوله : “المثقف الحقيقي ينبغي أن يظل دائما فوق السياسي، أي أن يكون المثقف هو الذي يوجه السياسي” لتبقى تلك نظرية خالدة تنتظر الفرصة التاريخية لكي تتحقق.. ربما.

قراءة: عقبة مشوح

مراجعة بواسطة أندية القراءة السعودية في 07 يونيو 2016

شارك بتعليقك