تقييم الموقع
تقييمك

قراءة في آليات الكتابة السردية

السرد: تفكيرٌ بالأصابع

أن تكتب، كيف تكتب ؟ ضربٌ من العبث الترتيبي. أن تلجأ لتأويل نصٍ من النصوص، ضربٌ من إفساد المتعة،و قتلٌ لخيالِ الآخر. التنظير لآلية معينة يقتل أجمل ما بها من عفوية.

لكن ماذا إن كان من يقول بـِ” الكتابة تعني بناء قارئ نموذجي من خلال النص.” هو من يخبرك ذلك؟ أن يراوح في سرده بين البناء اللامنهجي، و البناء القاعدي،لأجل النموذجي بداخلك.

و ماذا إن كنّا نتحدث عن  آليات الكتابة السردية المحترفة ؟

جمال موقف  إيكو من القارئ و رؤيته له ،الرؤية التي قادته إلى منهجيته المبدعة في الكتابة  تجعلك تقف لتتأمل في تجربته تعلُماً و طواعية .

هل نقول إنه ابتدع طرقاً جديدة للكتابة السردية؟

لا ، و لكنّها التجربة الغنية التي تُجبرنا أن ننصت لها.

إنّ منهج إيكو يعتمد على فاعلية القارئ التي يعتبرها في البداية من طبيعة استدلالية، فأن نقرأ معناه أن نستنبط و أن نخمن و أن نستنتج انطلاقاً من النص سياقاً ممكناً يجب على القراءة المتواصلة إمّا أن تؤكده أو أن تصححه.

و أن يكتب إيكو عن نصوصه فهو لا يلجأ لتأويلها و لماذا أو كيف كُتِبت , لا إنه يقدم تأملاته الخاصة في طريقة بناء النص , عن بذور أفكاره , عن هندسته المُتقنة في البناء , عن دوافعه في ما وراء البناء .

قلّة هم الكتاب الذين استكشفوا بقدر إيكو جميع وسائل التعبير تقريباً، معتمداً في كل منها على تفكير نظري عميق،دؤوب على تغذية كنوزها و تأهيلها باستمرار كي لا ينال منها الصدأ أو وهم الاكتفاء المهلِك، و مستنداً خصوصاً إلى حداثة غزيرة الرؤى و دائمة التأهب و التطلّع و الانفتاح الحكيم.

وُلِد إيكو في أحد أيام شهر كانون الثاني من عام ١٩٣٢ لعائلة تضم ثلاثة عشر ولداً. درس الفلسفة و تخرّج عام ١٩٥٤ بأطروحة حول القضية الجمالية لدى القديس توما الأكويني.علّم في فرنسا و ساو باولو وكولومبيا ، و عُيِّن مستشاراً، ثم مديرا لدى (دار بومبياني للنشر) . تولّى منذ عام ١٩٧١ تدريس نظرية الرموز و العلامات في جامعة بولونيا، علما أنه كان أول من درّس تلك المادة فيها، وهي أعرق جامعات إيطاليا و أقدمها. و ساهم في تأسيس (مجموعة ٦٣) النيوطليعية إلى جانب كبار شعراء إيطاليا. أسس في عام ٢٠٠٠ (المدرسة العليا للعلوم الإنسانية).

غاص في عوالم اللغة والتواصل و الجمال . عمل على تطوير منهجية خاصة فيهما ترتكز على الإشارات ، كما دأب على درس التفاعل بين ملكة الإدراك لدى الإنسان و موارده اللغوية.و قد انطلق من نظريات فردينان دو سوسور في مجال الألسنية البنائية، لكي يستكشف العلاقة أو اللاعلاقة بين المعنى و البنية من جهة ، و بين المعنى و المتلقي من جهة أخرى. مُطوراً بذلك مجموعة من الأبحاث و الإختبارات التي جعلت علم الرموز مرجعاً أساسياً في عدد كبير من العلوم الأخرى.ولم يحصر إيكو اهتمامه في عملية التنظير بل ذهب حدّ تطبيق أطروحاته ، وجمع في معظم مؤلفاته ما بين الأنواع الأدبية المختلفة،دامجاً الصوت الروائي بالعلم و الفلسفة والألغاز و التاريخ،وخصوصاً التاريخ المتمحور حول القرون الوسطى، من دون أن ننسى حضور اللغة كموضوع في ذاته في بعض أعماله. ففي روايته الأخيرة ( باودولينو) مثلاً، نشهد أمام أعيننا ، صفحة وراء صفحة، تغيّرات لغوية تصاعدية و تحولات تعبيرية متعددة الشكل و الإتجاه، ينجح إيكو من خلالها، داخل متاهة من الابتكارات اللفظية العجيبة ، في نسج قصة معلقة بين الواقع و الخيال، بين الخرافة و التاريخ، يتماهى فيها اكتشاف العالم مع اكتشاف اللغة.

من أبرز أعمال إيكو على الصعيد اللغوي و الجمالي:

  • -الأثر المفتوح ١٩٦٢

(حيث يقوم الناقد بمراجعة حثيثة للفكر الجمالي في تاريخ الشعرية الغربية)

  • – يوميات بالحدّ الأدنى١٩٦٣

(حيث يعبر عن مواقفه الاستهلاكية و أدوات التواصل الجماهيرية)

  • -البنية الغائبة ١٩٦٨
  • -العلامة(تحليل المفهوم وتاريخه)١٩٧٣
  • -نظرية في علم الرموز و العلامات ١٩٧٦
  • -القارئ في الحكاية ١٩٧٩
  • (التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية)
  • -حدود التفسير ١٩٩٠
  • -البحث عن اللغة الكاملة في الثقافة الأوروبية١٩٩٣
  • -ست نزهات في الغابات الروائية ١٩٩٤
  • -أن نقول الشيء نفسه تقريباً٢٠٠٣
  • – تاريخ الجمال ٢٠٠٤
  • – السيميائية وفلسفة اللغة٢٠٠٥

وُلِد إيكو روائياً في وقت متأخر من حياته-هو النموذج المضاد للروائي المبكار،بحسب اعترافه- لقد جاء إلى الرواية مُثخناً بجراح السميائيات، و بجراح سنوات عمر يجري دون توقف.فكانت رواياته مزيجاً من التأمل الصوفي و الرؤية الحكائية الطويلة النفس والرصد الاستكشافي لحياة العلامات، كما يمكن أن تتحقق في المسارات السردية المتنوعة، وفي كل أشكال التشخيص التي تمنح الزمن وجهاً و مظهراً.فالسرد في نهاية الأمر وبدايته،هو احتفاء بالزمن، إنه محاولة لتلمس آثاره على الذات و الأشياء . وربما تكون سن الخمسين وحدها كافية لتفسير ذلك.

إذ نشر روايته الأولى (اسم الوردة) في ذلك العمر.

” إنّ اسم الوردة الماضية لازال قائماً،فمن الوردة نستخلص الكلمة الخالصة”

عن العنوان و المعنى،يقول في حاشية على اسم الوردة:

إنّ العنوان يجب أن يُشوش على الأفكار لا أن يحولها إلى قوالب مسكوكة.

و الروايات بالأساس آلات مولدة للتأويلات، و العنوان  ما هو  إلا أحد المفاتيح التأويلية.

والصدفة وحدها جعلتني أستقر على فكرة اسم الوردة . ولقد راقني هذا العنوان ، لأن الوردة صورة رمزية مليئة بالدلالات لدرجة أنها تكاد تفقد في نهاية الأمر كل الدلالات.

“الحقيقة الوحيدة تكمـن في تعلمنا كيفية تحرير أنفسنا من الشوق المجنون إلى الحقيقة”.

الرواية كانت انعكاساً إبداعيا لفلسفة الرمز و نظريات التأويل من خلال معرفة تفصيلية بأدبيات القرون الوسطى. وذلك يظهر بقول الراوي نفسه في ختام الرواية بأن اسم الوردة عمل مفتوح, وبإمكان كل قارئ مهما كان انتسابه أن يجد فيها صورة من نفسه وعالمه. أي بما معنى أن الرواية لاتقص في حقيقية الأمر إلا مايجري من حولنا. بينما الوقائع التاريخية المذكورة في الرواية والجرائم والمتاهة المذكورة في الرواية لاتعدو أن تكون رموزاً ينبغي فك أسرارها وفهم دلالاتها.

بيع منها  ما يقارب خمسة عشر مليون نسخة، و تُرجم إلى ٣٢ لغة و تولى المخرج الفرنسي جان كلود أنّو تحويله فيلماً عام ١٩٨٦.

يقول في صحبة لصوص النار :

ما لم أتوقعه هو أن يساهم الفيلم في بيع أعداد كبيرة من الكتاب.

طبعاً ثمة جانب سلبي على هذا المستوى ، لأن شخصاً آخر تدخل بيني و بين القارئ و فرض على الأخير طريقة تلقي الكتاب.

تصوّري أن أحدهم أخبرني عن صبية دخلت إحدى المكتبات، وهتفت عندما رأت الكتاب معروضاً “آه،لقد حوّلوا الفيلم كتاباً” .

و أتبع إيكو باكورته الروائية بأخريات:

  • -بندول فوكو ١٩٨٨
  • -جزيرة اليوم السابق١٩٨٦
  • -باودولينو ٢٠٠٠
  • – الشعلة الغامضة للملكة لوانا 2004
  • – مقبرة براغ

نعود لكتاب آليات الكتابة السردية و الذي تمت ترجمته بواسطة سعيد بنكراد  , هذا الكتاب ليس إلاّ نصوصاً متفرقة(حاشية على اسم الوردة-كيف أكتب؟ – السخرية والتناص و مستويات القراءة)

كتبها إيكو عن روايته الأربع الأولى و خصوصاً روايته الأولى اسم الوردة.

فكرت كثيراً قبل أن أكتب في ما الجديد الذي سأقدمه , وجدت أن ما خرجت به من تجربة إيكو , جديدٌ يستحق النقل و الإطلاع .

بداية  ما هو السرد ؟

جاء في القاموس المحيط

سردها أي نسجها , وهو تداخل الحلق بعضها في بعض .

بكل بساطة يمكن أن نقول السرد هو الأسلوب أو الكيفية أو البناء  الذي تُوضع بداخله فكرة ما.

خطوة للخلف :

ذلك ما كان يرمي إليه الجاحظ

المعاني مُلقاة على قارعة الطريق , إنما العبرة باللفظ

أي العبرة بالكيفية التي ننقل بها هذا المعنى لِألفاظ تعبيرية.

أكثر تقدماً :

السرد مثل الحياة , عالم متطور من التاريخ و الثقافة.

وصولاً:

السرد تفكيرٌ بالأصابع .

من أين ننطلق؟

الرغبة  بنظر إيكو هي المحرك الأساسي لزرع بذور فكرة ثم كتابتها.

عادة ما تتأرجح المُساءلات الساذجة بين قناعتين تتناقضان فيما بينهما:

الأولى تتصور أن النص الإبداعي يتطور من تلقاء ذاته ضمن شعلة صوفية نتيجة حالة وحي.

أما الثانية فترى أن الكاتب يتبع وصفة، ما يشبه القاعدة السرية التي يود الناس اكتشافها.

لقد وُلِدت رواياتي من فكرة أولى كانت أكثر من مجرد صورة : إنها تلك التي استحوذت علي وولدت داخلي الرغبة في الاستمرار.

إن القول إن رغبة ما استبدت بي لكتابة رواية يبدو لي سبباً كافياً.

يجب بناء عالم أولاً.

يجب بناء هذا العالم، و ستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها،فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات، و هو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء.

شأنه في ذلك شأن ساراماغو عندما يقول :

شرط الكتابة الأول هو الجلوس، ثم تأتي الكتابة.

أحياناً أفكّر أن بناء رواية يشبه بناء كرسي: ينبغي أن يتمكّن الإنسان أولاً من الاستقرار عليه بتوازن.

من العالم إلى الأسلوب.

يؤمن إيكو إنّ تأثيثاً بسيطاً لهذا العالم يكفي بذاته لتوليد قصة ما.

فعندما يتم رسم العالم ستأتي الكلمات من تلقاء نفسها، و ستكون هي ما يشترطه العالم مع الأحداث التي ستقع.

الإكراهات و الزمن.

يجب أن نُقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية.

ستسألوني دون شك: لماذا كل هذه الإكراهات؟ هل هي من الضروي؟

بالتأكيد لا.

و لكن كان من الضروري أن أفرض على نفسي إكراهات، و إلا لن تتقدم الرواية من تلقاء نفسها.

كيف أكتب؟

يجب أولاً أن نقرأ، و نجمع جذاذات و نرسم بورتريهات الشخصيات ، و خرائط المكان و خطاطات لمقاطع زمنية.

لا أمتلك طريقة و لا يوماً و لا ساعة و لا فصلاً. و لكن تبلورت عندي عادة .

أجمع أفكاراً، و أسجل ملاحظات،ثم أقوم بتحرير أولي حيثما كنت، و لكن عندما تتاح لي الفرصة، فإنني أقوم بتحرير فصول على الحاسوب. و أعود استنسخها،و أصححها لأتركها بعد ذلك تنضج في دواليب مكتبي.

الحاسوب و الكتابة.

لقد تجاوزتنا التقنيات. نعم للبديل الساحق.

إيكو والحاسوب و الإنترنت و التكنولوجيا  ونظريات الهايبرتكست عالمٌ قائم بذاته.

يشير لذلك أكثر من مرة وفي أكثر من مكان , يحكي عن عالم الإنترنت :

(الثقافة ليست أن تعرف متى مات نابليون. الثقافة تعني كيف أعثر على هذه المعلومة في دقيقتين. )

ويقول :

( الأولوية للتثقيف الإلكتروني ، لأننا فقدنا مع الإنترنت مفهوم الأستاذ ، أي الموجّه أو المرّبي.

و التثقيف و الفلترة التي أعنيها في هذا العالم: تتمثّل في تعزيز ذكاء المبحرين في هذا العالم .)

و عن الحاسوب:

الواقع أن ما هو جميل في الحاسوب كونه يشجع على العفوية : تكتبون دفعة واحدة وبسرعة، كل ما يخطر ببالكم، و بعد ذلك تُنقحون و تغيرون ما كتبتم.

قد أكتب دفعة واحدة على الحاسوب، والسبب في ذلك بسيط : لقد حملت هذه القصة طويلاً داخلي،وحكيتها لنفسي مراراً،و كانت كأنها كُتِبت من قبل، ولم يكن هناك ما يمكن أن أضيفه. كنت أحرك أصابعي على لوحة المفاتيح كما لو أنني ألعب على البيانو قطعة موسيقية أعرفها عن ظهر قلب.

و يذكر عن افتتانه به :

بلغ افتتاني به حد أنه يحدث أحيانا أن أكتب عليه لمجرد لذة استخدام هذه الآلة. وعندما اتصلتم بي هاتفيا لطلب هذه المقابلة، كان رد فعلي الأول هو أن أقترح عليكم مقالة، بسبب هذه اللذة. وهكذا فأنا أمارس على نفسي انضباطا ذاتيا، أو لنقل إنني اتبع حمية. فأقرر أن أظل خمسة عشر يوما دون أن أرى الكمبيوتر، ودون أن أتحدث مع أصدقائي الذين حرموا مثلي من اكتشافاتهم الأخيرة وعادتهم المستهجنة، بل أني أهرب الى الريف لكي أنجو من الغواية!

و عن ماذا قدم له :

أشياء كثيرة: أولها أن الإمكانية التي يوفرها للإنسان عندما يكتب، من أن يوظف ويمزج كتابات سابقة (وهو ما كنا نسميه في الماضي بالملاحظات والجذاذات)، ومن أن يقوم بنقل كتل من المعلومات من أماكنها، أقول أن هذه الإمكانية تضع الإنسان دفعة واحدة في التناص اللغوي الذي هو في صميم التفكير الفلسفي لمسيرة الأدب المعاصر. ثم، ولأول مرة في تاريخ الكتابة صار يمكننا أن نكتب بنفس السرعة التي نفكر بها تقريبا، وذلك دون أن نقلق بشأن الأخطاء. وهذا التحول من الأهمية بحيث يمكن مقارنته بطريقة تسمح بتسجيل آلي للأحلام، وهذا من شأنه أن يقلب التحليل النفسي رأسا على عقب! بفضل الحاسوب يمكنك أن تسجل على الشاشة كل أفكارك حول موضوع معين آنيا. إنها الكتابة الآلية للسرياليين وقد تحققت أخيرا! فماذا يحدث إذن؟ إنك في مواجهة فكرك الخام. و يقوم الكمبيوتر بنسف هذا الستار الذي يقف، عن طريق الريشة والورق، بينك وبين نفسك. فهو بهذا المعنى روحاني. وهكذا يعيد لي حاسوبي روحانيتي الكاثوليكية كرجل تربى لدى الفرنسيسكانيين. وبديهي أن يبدو ذلك النص مثل مونولوغ داخلي لشخص مجنون. ولكن حينئذ تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة المراقبة العقلانية والتنقيح التي تسمح بها الآلة إلى ما لا نهاية له. فهناك إذن صراع في الكتابة بين فكري المتوحش وفكري المتحضر.

السعادة والحزن.

السعادة عند إيكو هي البقاء والعيش ست أو سبع أو ثمان سنوات في عالم هو من قام ببنائه شيئاً فشيئاً و قد أصبح ملكه في النهاية.

و الحزن يبدأ عندما تنتهي الرواية.

الكاتب و القارئ.

إنّ كل ما نكتبه نقوم به لنقول شيئاً ما لشخص ما.

الشيء الوحيد الذي نكتبه لأنفسنا هو لائحة المشتريات.

إنّ الذي لا يعرف كيف يتوجه إلى قارئ مستقبلي هو إنسان تعيس و بائس.

مراجع :

  • آليات الكتابة السردية
  • صحبة لصوص النار
  • الأثر المفتوح

لقاءات وحوارات:

مواضيع:

قراءة: العنود الجربوع

مراجعة بواسطة أندية القراءة السعودية في 07 يونيو 2016

شارك بتعليقك