تقييم الموقع
تقييمك

فيودور دوستويفسكي : الليالي البيضاء

الليالي البيضاء. قصة قصيرة للكاتب الروسي فيودور دوستيوفسكي

نبذة عن المؤلف: فيودور دوستيوفسكي أحد أكبر الأدباء الروس والعالميين على حد سواء. ولد عام 1821 وفارق الحياة بعدها بـ 60 عاما، في 1881 م. اشتهر فيودور بروايته العالمية ” الجريمة والعقاب” ومن ثم توالت الآعمال الرّائعة كالإخوة كرامازوف، الأبله، وبعض القصص القصيرة

نفي إلى سيبيريا في عام 1945م لكونه أحد أعضاء  جماعة الفكر المتحرر “دائرة بتراشيفيسكي” في عهد القيصريّة الرّوسية.

الليالي البيضاء” قصّة قصيرة ألفها دوستيوفسكي عام 1848 تحكي عن الغرباء، اللقاء بهم، الحديث معهم، الارتايح لهم. كعادة فيودور كانت شخصيّاته متطرّفة، مهذارة، منعزلة وصاحبة أوهام ووساوس تعيش في عزلة عن واقع الحياة.

القصة حوت شخصيتين فقط، هو وهي

هو، لا أذكر له اسماً، أو ربما لم يكن له اسم من الأساس، شخص يعيش في بطرسببرغ منذ 8 سنوات، منعزل عن العلاقات الاجتماعية يرقبها من بعيد ويظن أنه يرى كل شيء على حقيقته. يقضي وقته بالتفكير والتخيّل، حتى إنّه ليخيّل اليه أنه يعرف كل الوجوه والقامات والأبنية والشرفات، يعرف أين يتجه النّاس وماذا يفعلون، يعرف البيوت القديمة، يكلّمها وتكلّمه، تشكو له ويسمع لها من دون أن يكون له حيلة ان يفعل شيئاً .. وكحال شخصيات فيودور، يهذي مع نفسه كثيراً كثيراً وغالباً مايكون يائساً سوداوياً قاتماً ، ويضحك من السّعادة فجأة لخاطر خطر له ! بطل القصّة كان يتجوّل في المدينة سئماً، السّكان غادروها إلى الرّيف لقضاء الصيف، وباتت الشوارع والطرقات مقفرة تدعوه للتأمل:

” كانت الليلة جميلة، جميلة جمالا لا نراه إلا حين نكون في ريعان الشباب أيها القراء الأحبة! السماء تتلألأ فيها النجوم، وهي تبلغ من الصفاء أن المرء يتساءل  بالرغم منه حين ينظر اليها ” هل يمكن تحت مثل هذه السماء ان يعيش اناس يملأ قلوبهم البغض وتعبث بنفوسهم النزوات؟” السؤال ساذج، ساذج جدا، أيها القراء الأحبة! ولكنني أسأل الله العلي القدير أن يبعثه في أنفسكم أحياناً كثيرة! …”

كان يسير يوماً ما كما يفعل في كل وقت آخر ماراً بالقناة، ووجد هناك فتاة تبكي متكئة على الإفريز .. هي كانت الشخصية الثانية، آناستازيا

“كنت أسير وأنا أغني كما يتفق لي ذلك حين أكون سعيداً، وتلك عادة مشتركة بين جميع المعتزلة الذين ليس لهم أصدقاء ثم يخطر لهم أن يفصحوا عن فرحهم! لقد أبصرت امرأة متكئة بكوعيها على إفريز الجسر، كان يبدو أنها تنعم النظر في ماء القناة العكر.كانت الفتاة تبكي”

تلك كانت الليلة الأولى، ليلة التقاها، تقرّب منها، ساعدها وتركها على موعد للقاء في الغد، في ذات الوقت والمكان

في الغد التقيا، طلبت منه طلباً واحداً

“إياك ثم إياك أن تحبني … ذلك لا يمكن ان يكون،  أؤكد لك. أنا أنشد الصداقة! فإليك يدي. لكن لاحب! لاحب!”

سردت له قصّتها بعد أن حكى لها عن نفسه، حكى كل شيء بفلسفسته هو ومفهومه هو، حكى أموراً أحرجته وأخرى أسعدته، أمنيات وخيبات، تكلّم وتكلّم ومن ثم جاء دورها؛ هي الاخرى كانت مندفعة جدا، أفصحت بتفاصيل حياتها المنعزلة أيضاً عن الآخرين، سردت له الكثير الكثير الذي لم تكن لتقوله لأقرب النّاس لها.

هو لا يعرفها، هي لاتعرفه، لا حاجة للتمثيل، للكذب، للتحايل، لا مبرر للخجل والخوف .. ما سيقولانه سيذهب مع الغربة التي تفصلهما، ومع أنّهما كانا أقرب إلى بعضهما في هذه الثلاث ليالي من اي شيء آخر  إلا أن هذا الإندماج بين الشخصيتين لم يكن ليحصل لو كان لدى أحدهما فكرة مسبقة عن صاحبه، انطباع أو ذكرى.

كانا كالصفحات البيضاء جاهزة للكتابة، لاهو سيبحث عن صحّة ماتقوله ولا هي ستفعل ذلك، فالرّاحة التي فرضتها الحريّة والتاريخ المستتر كانت كفيلة بجعلهما يضعان حياتهما كلّها أمامهما ويتشاركاها من دون أي حرج .. كانت هي تحب أحداً آخر وتنتظره، لذا رفضت الحب منذ البداية، أرادت الصداقة فقط، معادلة جد صعبة قد تفشل نتيجة زلّة أو فهم خاطئ لكلمة ما، لمحة ما

ثلاث ليال بيضاء التقيا بها، تحدّثا حديث أطفال يظنّون أنهم وجدوا صديق العمر للمرّة الأولى، يرون أنّهم يستطيعون تحميله كل ما تخبئه نفوسهم وهم مطمئنون أن أحداً لن يطلع عليه ولن يفسّره كما يشاء، لا شيء سوى الحقيقة والثقة هنا

نكتشف في النّهاية أن البوح ليس سهلاً للمقرّبين كما يصوّره الآخرون، بل صعب جدا، والبوح للغرباء متعة وراحة وأمان، لأن كل ما ستقوله سيذهب معهم حيث يذهبون، ولن يفهموا سوى ماتريد، سيقفون بجانبك، سيدعمونك، يضحكون ويبكون معك، لأنهم لايعرفون أحدا من الحكاية كلّها إلا أنت .. فأنت بطلهم.

الليالي البيضاء قصة جميلة جدا، حملت معناها الكبير في نهايتها :)

ملاحظة: تم تمثيل القصة بثقافات ولغات عدة على مدى السنوات، فلم هندي، مصري، أمريكي، تاميلي، إيطالي، روسي وفرنسي. كلٌّ ينسخة مختلفة وعناوين متغايرة. شاهدت النسخة الهندية” Saawariya” من انتاج عام 2007 فقط، وكان الفلم أكثر حركة وحيوية من القصّة ويحيوي شخصيّتين اضافيتيّن، غانية وصاحبة منزل البطل، وكلاهما صديقتان مقرّبتان له. الفلم برأيي نجح في تصوير الرّواية  :)

قراءة: إسراء أبورياش

مراجعة بواسطة إدارة الموقع في 30 يونيو 2011

5 تعليقات

شارك بتعليقك

  1. 24 يوليو 11, 12:44م

    مشكور على الموضوع ,,

    لكن فيودور قرأت له رواية .. كارمزوفا ..

    وملاحظاتي عن هذا المؤلف .. انه يجد صعوبه في نقل نسق الحوار الموجه من شخصية أخرى .. فالقارئ يجد نفسه يقرأ السطر أو الجملة ويجد سعوبة في تحديد من يقوم بهذه الدور او ينطق تلك الجملة .. انا لا اجد المؤلف يستحق الاهتمام ..

    انصحك بالأطلاع على المؤلف جون شتاينبك .. رواية اللؤلؤة وراسني بعد قرائتها وشكرا

    (رد)
  2. 02 أغسطس 11, 2:23ص

    أخ محمد الدحين .. في مسألة نقل نسق الحوار بين الشخصيات، أوافقك .. لكن الأمور الأخرى تخضع لنقاش وأفكار يجب أن تعيها قبل أن تحكم على الكاتب، وضع بالاعتبار، وهذا مهم جدا جدا جدا، الفترة الزمنية والحالة السياسية التي كتب بها فيودور رواياته .. فلها علاقة مباشرة جدا بالمحتوى :)

    تحب نتناقش فيه؟ :)

    (رد)
  3. 05 أغسطس 11, 1:04ص

    مشكور على ردك ..

    عندي سؤال . هل يمكن اني استعرض كتاب بالموقع واضع له صوره وبعض الاستعراض البسيط ؟؟

    انصحك بقراءة رواية ( القتل السهل ) لأجاثا كريستي

    (رد)
  4. 07 أغسطس 11, 3:08ص

    أكيد … انت راسلنا على ايميل الموقع ونتفق :)

    شكراً لك ..

    (رد)
  5. 18 أكتوبر 11, 10:21ص

    بغض النظر عن الملاحظات المذكوره بالاعلى الا اني وجدت ظالتي واستفدت مما كتب في القصه حيث ان دور البطوله دائما ما ينال الجانب الاكبر من الدعم والإهتمام من الاخرين وعند تريد التقرب من احد اقاربك والتعرف على ما في داخله من اسرار وغموض وهموم يجب عليك ان تعطيه دور البطوله ولا تقلل من اهميته حتى لا يجد الصعوبه بالبوح لك بما في داخله …

    (رد)

شارك بتعليقك