محاضرة د.عبدالله الغذامي في ملتقى أندية القراءة السعودية الأول

محاضرة د. عبدالله الغذامي ضمن برنامج ملتقى أندية القراءة السعودية الأول في الرياض  بعنوان فلسفة ومفهوم القراءة

بتاريخ 6 أكتوبر 2011

فلسفة ومفهوم القراءة

أسعد الله مسائكم جميعاً

سأتطرق في حديثي أولاً إلى فكرة القراءة . فكرة القراءة بسيطة جداً جداً ، ولكن دائماً نكتشف أن البسيط جداً جداً يكون معقد جداً جداً. في القديم كانوا يمثلون على البساطة و السهولة بالبحر( فحين ترى البحر ترى أنه جميل وهادئ وتريد أن غوص فيه، ولكن لو غصت فيه لعرفت حقيقة البحر) . البساطة التي تراها عينك ماذا وراءها؟ القراءة  لها نفس الوضع من التشبيه، سهلة جداً وبسيطة جدا  ، ولكن إذا شعرنا بها وبالسؤال عنها، سنرى أمور عديدة تجعل الأمر ليس بالبساطة المتوقعة في البداية. أعطيكم مثالاً واحد محير ومربك، لو قلت لكم إن القراءة لا تفيد، الجملة مرفوضة بكل تأكيد لكن تأملوا معي هذا المثال الحقيقي : تصوروا عامل المطبعة الذي يعمل في مطبعة في بيروت أو القاهرة ويمر على أصابعه وعلى عيونه آلاف الكتب في الفلسفة، في الدين في التاريخ في الأدب في الشعر، وعلى مدى أربعين سنة وهو يعمل، و لنسأله بعد أربعين سنة عن الفائدة و ماذا بقي من آلاف الكتب التي مرّت عليه ، في الواقع لن يتبقى منها شيئاً ، معنى هذا أن القضية ليست بالقراءة فالقضية أعمق وأعقد وأصعب من ذلك بكثير.

ما القراءة؟

 هناك قراءة وظيفية يمارسها كل البشر حتى الأمي منهم، موظف في المعاملات التي تمر بين يديه،  ورجل المرور في المخالفات التي يقرأها ، ومذيع الأخبار، المدرس والمدرسة والطلبة والطالبات.

القراءة عمل يومي من أجل وظيفة نأخذ مقابلها مالاً ، أو نشاط يومي مثل مشاهدة الأخبار أو قراءة الإعلانات أو لوحات الطرقات التي نقرأها لنصل إلى المكان مثل ماكنت أفعل لأصل إلى هذا المكان، لكن ماذا بقي منها؟ لا شيء، لا شيء على الإطلاق ؛ لأن الغرض منها هو أن توصلنا إلى هذا المكان وحين تحقق الغرض  تنزاح من الذهن. القراءة الوظيفية متى ما أنجزت وظيفتها انسحبت.  و كلنا كبشر نمارسها مثل عامل المطبعة التي ذكرته لكم، قد نغبط عامل المطبعة ونغبط موظفي المكتبات الموجودين بين الكتب 8 ساعات يومياً ويعرفون كل كتاب أين هو ويدلونك عليه وعلى اسمه واسم الكاتب، لكن بعد العمل لا يبقى منها شيئاً ؛ لأنها أرقام وطوابير موجدة لوجودك داخل منظومة الأرقام هذه . القراءة الوظيفية وجودها وجود رقم وليس نوع.

القراءة الثانية :  قراءة واجبة شبيهة بالوظيفية مثل القراءة لإعداد بحث مثلاً ، فإذا أعددت هذا البحث و انتهى  انسحبت القراءات كلها وبقيت الأوراق التي أنجزتها كبحث. هذه قراءة علمية بحثية مثل رسالات الدكتوراة والماجستير لكن لا نجدتأثيرها قويّاً على أصحابها ، لأن الغرض منها الوصول إلى الدرجة المطلوبة.

القراءة الثالثة : وهي الأهم وذات المفعول وهي ا: لقراءة الإمتاعية، نستمتع بها و نقرأ لنعيش داخلها، هي متعة ، ليست واجباً وظيفياً كما أفعل في وظيفتي وليست واجباً علمياً لإعداد بحث ما، إنما هي اختيار.

كل شيء يقع نتيجة اختيار فهو يبلغ من النفس مبلغاً عميقاً جدا.

هنالك قصة دائماً أستشهد بها القصة ذكرها ابن الرومي وهو من أعظم الشخصيات المبدعة في العالم الإسلامي، أعطى قصة في قصيدة عن غزال في الصحراء وكلب الصيد يجري وراء الغزال والغزال يهرب منه والمطاردة مستمرة،  ولك أن تتخيل المشهد فكلاهما في العرف الثقافي يجريان بسرعة، ثم التفت الغزال إلى كلب الصيد وقال أنك لن تمسك بي، قال الكلب لماذا؟ قال الغزال: لأني أركض لنفسي وأنت تركض لسيدك.إذا ركضت لنفسك أنجزت، إذا ركضت لسيدك لن تنجز . وقد لايكون سيدك بل وظيفتك أو مرتبك أو شهادتك العلمية أو من أجل أن تكتب مقالاً أو من أجل أصدقائك ولتظهر أمامهم بمظهر القارئ المثقف .

لندخل في مفهوم المتعة فهو من أهم المفاهيم الثقافية والبشرية، فحتى حين يمارس الإنسان الطبخ ونقول أنه يملك نفساً في الطبخ لأنه يستمتع فيه ويحبه. حتى أن هناك تجارب كثيرة أذكرها لزوجتي ونتندّر حولها فحين تطبخ طعاماً لذيذاً أقول لها إنّك كنت تتحثين معه، تقول بعض التجارب أن الإنسان لو بدأ بالكلام حتى مع الطبخة التي يعدها ويحكي معها فأثرها بعد ذلك مختلف.

الأحاديث المتواصلة، لغة التواصل الشعورية واللاشعورية، حين أمسك الكتاب وأحبّه، فالكتاب سيحبّني في المقابل.

أيضاً علاقتك مع المكان، أنا دائماً أشاهد أناس كثيرين من أصدقائي يقولون أنا لا أحب الرياض، وهو يعيش في الرياض، أكره الرياض فهي مدينة ثقيلة علي وكريهة، ويعيش في الرياض.

أقول له ببساطة: جرّب أن تحب المكان ؛ يحبّك المكان.

أنا جربت كثيراً فقد عشت في خمس مدن بريطانية،  ومدينتين في أمريكا ، ومن عنيزة إلى الرياض فجدة فالرياض مرة أخرى، أي 3 مدن في المملكة، والله كل واحدة منهن حينما كنت فيها كانت هي الكون كلّه.

حين كنت في جدّة كنت أتسائل كيف يمكنني العيش في مكان آخر، والآن أنا في الرياض، حين أخرج لمدة قصيرة إلى باريس أشتاق إلى الرياض مرّة أخرى.

أقمت علاقة مع الأرض والمكان، فأحبّتني الرياض وأحببتها.

و الكتاب حين ابدأ قراءته ولم تتشكل بيني وبينه هذه العلاقة، سأتخذ قرار تركه مباشرة.

هذا مفهوم القراءة الإمتاعية فإذا دخلنا في هذا النوع من المتعة مع القراءة فستتغلغل القراءة في نسيجنا الكلي، والعرب يقولون كل إناء بما فيه ينضح، فالتعبئة التي نضعها في أنفسنا،ستدخل في الخلايا والأنسجة وتكويننا الداخلي، و إذا لم تدخل سنكون مثل عامل المطبعة. أي واحد منا يغبط عامل المطبعة لأن عمله مكثف جدا فأصابعه تعمل وعيونه تعمل للكتابة والمراجعة والتصحيح وإعادة الكتابة مرة أخرى، يفترض أن الكتاب اختزن في رأسه لكنه لم يفعل لأنه يعمل وباله مشغول بالراتب الذي يقبضه جراء عمله ويعتاش منه، ولا يقع عليه لوم طبعاً.

لكن هل يستطيع الجمع بين الوظيفتين؟

نعم يستطيع .. لو اتخذ القرار.

مثل ماحدث مع نيلسون مانديلا، شاهدت مقابلة له رافقته فيه المذيعة إلى السجن الذي اعتقل فيه 27 سنة، وأراها المكان الذي كان يحفره بـأصابعه كجزء من الأعمال الشّاقة، أراها جزءاً من الجدار الذي كان يحفره وقد تأثر بالغبار الكثير مع الزمن فأصابه الربو. سألته المذيعة: كيف تعيش لوحدك في هذا المكان لمدة 27 عاماً؟

قال لها: لأنّي تعلّمت أن أغفر لأعدائي وأنا أحفر، وحاولت أن أحب المكان والحجارة والغبارة والحفر الذي أقوم به. تحمّلته 27 سنة لأني أحببته وغفرت لهم، لكن لو لم يفعل لتدمّر من الداخل أو لجنّ وفقد قدراته السمعية والذهنية والبصرية نتيجة العزل التام لمدة 27 سنة.

جرب أنت ذلك لمدة يوم واحد فقط .أنت تعلم به وتشعر به، أما هو فلا.

طبعاً هذه اللعبة الخطرة التي نتعلّمها بالفطرة، لا نحتاج لدرس لنتعلّمها، حتى مع الحيوانات، فحين نركب الخيل أو الحمار وأحببته سيحبّك بالمثل ويتعامل معك، أما إن كرهته فسيكرهك.الكتاب هو هكذا، الكتاب هو كائن حيّ، كائن بشري.

المؤلف مات! مؤلف الكتاب مات حتى ولو كان على قيد الحياة فهو لا يعلم أن الكتاب الآن بين يديك، لو أمسكت كتاباً لماركيز لما علم أن الكتاب هذا الآن بين يديك ولا يشعر بك.

أنت تعلم به وتشعر به، أما هو فلا.

حين تبدأ القراءة فأنت تؤدي وظيفتين في ذات الوقت، فأنت ماركيز وأنت أنت في نفس الوقت. هنا تقرأ كلامه وتعيد تصوّره في عقلك وكأنك تمثل دور ماركيز، أو في أحد مسرحياته من دون أن تعي ذلك، والشخص الآخر هو أنت.

هذه عمليّة الاستقبال، عمليّة التلاحم بينك وبين الأفكار تتم حين تتقبلها، لو قرأت نصاً ولعنت أفكاره ورفضتها فسترفضك الأفكار بالمقابل، أن تتعامل مع الأفكار كالأطفال وأنت كمعلّمة لهم  تعايشين الأولاد والبنات بمودة ومحبة، هم سيحبّونها وهي ستحبّهم وستستمتع بالزّمان والمكان مع بعض.

هنا يكون التعامل  مع الكتاب وصفحات الكتاب بنفس الدرجة، ستدخل الأفكار إلينا بالضرورة، فإما أن تدخل كفيروس مدمّر أو تدخل إلينا الأفكار والكلمات كالماء (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، وستعيد إنتاجها فيما بعد ذلك.

حين تقرأ ستتسرّب إليك اللغة التي تقرؤها، المصطلحات، الأفكار، الألوان والأشكال لهذه المصطلحات والأفكار.

حين تقرأ للرجال فقط أو تقرئين للنساء فقط أو في الفيزياء والعلم فقط فالمعلومات التي تأتي تشكّل خط واحد في أذهاننا، إذا تنوّع يتم الخلط والمزج بين الأفكار والمصطلحات والرؤى والكلمات.

نستشهد هنا بما يقال عن الأدب المقارن، فهو مكوّن معرفي ينتج عن المعارف الكونية العالمية المتنوعة، فإذا كنت عربياً يقرأ بالإنجليزية والفرنسية والفارسية، هل سأتحوّل إلى فرنسي أو فارسي أو أمريكي؟

السؤال خطير معرفياً وكثير من النّاس يصلون بهذا التساؤل لمبلغ عال ويقولون لا تقرأ لفلان لكي لاتصبح مثله، لا تقرأ للأمريكان أو الإنجليز أو الصينيين.

لأنّهم ينسون أن النظرية الأساسية للأدب المقارن قامت على مبدأ معرفي واحد وهو صحيح وأساسي:

 أن الأسد هو خلاصة لمئات الخراف التي أكلها لكنّه ليس خروفاً,,هناك رعب ينتاب بعضنا ويقول إذا قرأت لهم سأكون مثلهم، لن تكون لأن الأسد لم يتحول إلى خروف مع أنه يأكل الخراف وتدخل إلى خلاياه، وهو إن لم يأكها سيموت. إذا كان أكله للخراف هو ما يشكّل أنسجته وخلاياه، إذن لمَ لم يتحول إلى خروف؟

نظرية الأدب المقارن قامت على هذا المعنى: مهما أخذت ومهما استوعبت، لن يمسخك بل أنت ستمسخه، لن يغيّرك بل أنت ستغيره. لأنّ مايوجد في داخلك موجود في داخل كل واحد منا. فقط تصوروا شيئاً واحداً، تصوروا المطر وهو ينزل من السّحاب إلى الأرض، لو تصيّدنا الماء قبل أن يصل إلى الأرض واحتفظنا به في قارورة، ونزل الباقي إلى الأرض.

حين نحتفظ به في القارورة سيتخذ شكلاً معينا، لكن حين يتغلغل في داخل الأرض مالشكل الذي سيكتسبه؟  شكل الأرض. الأرض ستكسبه طبائعها، إن كانت سبخة مالحة صار سبخاً مالحاً. إن كانت خصبة سيكون خصباً. ثم مالذي سيجري له؟ في البداية سيكون على سطح التربة، ثم بعد اسبوع احفروا شبراً ستجدون الأرض رطبة جراء تغلغل الماء إليها، ثم بعد عشرة أيام يجب أن تحفر أكثر، وبعد شهر أكثر فأكثر. إذا ذهبت الآن إلى مناطق كنت تزورها في الشتاء وتجد الماء على عمق شبر واحد من الأرض، لن تجد الآن إن حفرت. فقد تغلغل داخل طبقات الأرض في العمق واختلط بهذه الطبقات وبطبائعها، حين نريد استخراجه سنجد معه مواداً أخرى، وسيكون بكمّيات أخرى.

الكتاب الذي تقرؤه يحدث له نفس الشيء، يبدأ في ذهنك ثم يبدأ بالنزول إلى أعماقك حتى يتطبّع فيك. تأتيك ساعات تحاول تذكّر شيء مرّ بك لا تستطيع تذكّره أبداً، وتذكره فجأة في أحد المرات بعد استيقاظك من النّوم مثلاً، تتذكر المعلومة. فالكلمات والمشاعر والرؤى والأفكار كانت مخبوءة في داخلك. من هنا ندرك لعبة الذاكرة، أحيانا نتذكر شيئ