نادي “كتاتيب للقراءة” كشاهد عيان على البيروقراطية الثقافية

إعداد: مروة إحسان فقيه

باتت ظاهرة أندية القراءة الشبابية في السعودية واضحة بشكل لافت، فهي بالإضافة إلى انتشارها بين الشباب المحب للقراءة، قد وضعت بصماتها على الساحة الثقافية المحلية وبعثت فيها شيئاً من الحياة بعد موات، محدثة نقلة نوعية -وإن كانت لاتزال محدودة- في مفهوم القراءة لدى شريحة الشباب تحديداً، مزاوجة بينها وبين الترفيه والمتعة في المملكة والتي تكاد تخلوا من مصادر الترفيه. فهذه الأندية وبالتعاون بينها وبين المقاهي الثقافية أقامت عدداً من الديوانيات الثقافية واستضافت فيها مجموعة من الكتاب والمفكرين من مختلف التوجهات، في أجواء حوارية مفتوحة، يستطيع حضورها مختلف الفئات العمرية.

مزية (الاستقلالية) التي تتسم بها هذه الأندية كانت العامل الأساس وراء بروزها ميدانياً في السنوات القليلة الماضية، عبر العديد من الأنشطة الثقافية والاجتماعية، ما خلق لمنتسبيها هامشاً من الحرية للإبداع يُعول عليه في بناء مناخ صحي وحقيقي وجاد لإعادة تعريف الثقافة بمفهومها الواسع، بعيداً عن الإقصائية والصراعات التيارية والاستحقاقات الرسمية التي لازمت الأندية الثقافية الأدبية، الممثل الأوحد للنشاط الثقافي الإجتماعي المحلي.

وبالنظر إلى المشكلات التي تعاني منها الأندية الشبابية، نجد أن محدودية الحركة والانتشار تكاد تكون المشكلة الأبرز لديها جميعاً، ويعود السبب وراء ذلك إلى غياب الغطاء اللوجستي والدعم المادي، وهو ما أجمع عليه القائمون على هذه الأندية في الملتقى الأول لأندية القراءة السعودية الذي انعقد في الرياض. وفي ظل المساعي الحثيثة من وزارة الثقافة والإعلام لتقنين فضاء الثقافة، ومع غياب مؤسسات المجتمع المدني التي من المفترض أن تشرف على تبني هكذا مشاريع، تظل هذه الأندية تعاني من التخبط الذي قد يؤدي بها إلى الجمود هي الأخرى وربما إلى إعلان وفاتها بعد حين.

وكمثال حي أسرد هنا تجربة نادي “كتاتيب للقراءة” بمكة المكرمة، والذي أعلن في ١٨ من ديسمبر الماضي عن انضمامه تحت مظلة (نادي مكة الثقافي الأدبي) كأول نادي قراءة في المملكة يحوز على هذه الرسمية، وإذ بالمفاجأة تحصل بعدها بأيام بتعليق عضوية نادي كتاتيب وإعلان وزارة الثقافة والإعلام حل مجلس إدارة نادي مكة الأدبي، بعد صراعات داخل النادي يمثلها الحرس القديم و الذي يرى بان يكون النادي حكراً على النخب الأدبية و ذلك لمصالح شخصية  بحته كما يصفها رئيس نادي كتاتيب المهندس جميل المطرفي.

التفاصيل يرويها المطرفي قائلاً: في البداية كانت الانطلاقة عبر مخاطبة الوزير عبد العزيز خوجه عبر الوسائل الإلكترونية و قد تجاوب معنا بشكل سريع و إيجابي حيث أشار علينا بالإنضمام إلى نادي مكة الأدبي إلى حين صدور لائحة أندية القراءة في المملكة ووضع ضوابط لها خلال عامين، فتقدمنا بطلب عضوية لنادي مكة وكانت هذه المحاولة الأولى، إلا أننا توقفنا عن متابعة الطلب لرفضنا لشروطهم المجحفة والتي كانت كالتالي:

١- إلغاء اسم نادي “كتاتيب للقراءة” و استبداله بمسمى “اللجنة الثقافية لنادي مكة”.

٢- وجوب تقديم طلب للموافقة على أي نشاط يرغب نادي كتاتيب بتنفيذه قبل ٤٥ يوما على الأقل من بدايته.

٣- انضمام الأعضاء جدد سيكون غير متاح إلا من خلال الإنضمام لنادي مكة الأدبي. لأن النادي أصبح ببساطة مندمجا و بدون هوية.

 وبعد عام من العمل المستقل علمنا بنية مجلس إدارة نادي مكة الأدبي السابق بتوسيع مجال العضوية، وتغيير آلية انتخاب الأعضاء بحيث تصبح عبر تصويت جميع المنضمين إلى النادي، الأمر الذي شجعنا جميعاً على الإنضمام كأفراد إلى أدبي مكة و من ثم ترشيح من يُمثلنا ويُمثل شباب مكة وهو المهندس عبدالله الشهراني مؤسس كتاتيب. وبالفعل فبعد نجاح المهندس الشهراني في الإنتخابات و دخوله إلى مجلس الإدارة زالت كثير من المعوقات التي كانت تقف في طريقنا للإنضمام .

تقدمنا بعدها بطلب ثاني للإنضمام إلى نادي مكة و تمت الموافقة وحصلنا على شهادة الإنضمام في حفل أقيم في مقر النادي الأدبي قامت بتغطيته عدد من الصحف المحلية. و لكن بعد ذلك تم تعليق قرار الإنضمام من جانب إدارة أدبي مكة بحجة أن قرار الإنضمام لم يُعرض على لجنة المراجعات قبل موافقة مجلس الإدارة، لذا تقدمنا بشكوى لوزير الثقافة والإعلام نطالب فيها بمحاسبة من يقف ضد انضمام الشباب ورعايتهم وعرقلة أنشطتهم. و في اليومين السابقين سمعنا بتراجع النادي الأدبي عن التعليق و ان إجراءات العضوية ستتم.

وبخصوص آلية عضوية كتاتيب في أدبي مكة قال المطرفي: انضم نادي كتاتيب حسب قرار لجنة الملتقيات برئاسة نائب رئيس النادي الدكتور حامد الربيعي تحت ملتقى النشاط المنبري، و قد وفرت اللجنة الحرية لنادي كتاتيب في التالي :

١- إجراء النشاطات المقدمة في برنامجه نصف السنوي، ويبلغ النادي في حال الإعتراض على أحد النقاط في حينه.

٢- التحكم الكامل بعدد أعضاء كتاتيب.

٣- الحق في الحصول على دعم مالي خارجي و كذلك إمكانية الحصول على دعم داخلي إن توفرت الميزانية والموافقة.

٤- اقامة أنشطة غير المتفق عليها أو إقامة أنشطة خارج مرافق نادي مكة شريطة أن لا يُستخدم شعاره وإبلاغ اللجنة التابعة، حيث يتوفر غطاء الرسمية فقط لما يُقام داخل مرافق النادي.

وعن الدعم المالي الداخلي فقد كان جواب أدبي مكة “أن ذلك صعب عملياً”، وذلك لأن عملية إعداد الميزانية في الأندية الأدبية تكون عامة تقديرية لكل نشاط ولا تعتمد على البرامج المقدمة من الأندية المنضمه تحت مظلة هذا النشاط لاعتماد حجز هذة المبالغ في الميزانية السنوية، و لطلب مبلغ مالي فانه يتم تقديم طلب بذلك إلى مجلس الإدارة للبت فيه.

أما فيما يتعلق بمجلس إدارة أدبي مكة فقد نقلت جريدة الحياة في عددها الصادر أمس الأحد بأنه “حتى بعد قرار وزارة الثقافة والإعلام حل مجلس الإدارة وإعادة تدوير المناصب، فرئيس النادي أحمد المورعي يصر على بقائه رئيساً ويهدد بمقاضاة وزارة الثقافة والإعلام، لحلها مجلس الإدارة، مؤكداً أنه رئيس نظامي للنادي”.

وبعيداً عن كل المناكفات التي تشغل الساحة الثقافية المحلية وبعيداً عن الإتهامات، فمعاناة نادي (كتاتيب) التي استمرت لسنتين من أجل الحصول على غطاء رسمي وانتهت بحصولهم عليه ومن ثم تجميد عضويتهم بعد أيام من الاحتفاء بها -بصرف النظر عن الأسباب التي تعذر بها النادي الأدبي- إنما يدل على خلل حقيقي وبيروقراطية متجذرة في آلية عمل الأندية الأدبية بشكل عام، وإصرارهم على الظهور بمظهر الملتقى النخبوي المنعزل كلية عن الواقع، رافضين حركة التطور المجتمعي الطبيعية، وصانعين هوة سحيقة بين خطابهم وخطاب الجيل الجديد.

من سيقوم بصياغة المشهد الثقافي في المستقبل؟ هل ستكون هيمنة المحسوبية أكثر ظهوراً؟ هل سيحظى الشباب بمساحة أكبر من الحرية أم سيكون لزاماً عليهم التماهي مع المشهد على علاته إن هم اختاروا الخوض في هذا المضمار؟.. هل هناك وجود فعلي للمضمار الثقافي في الممكلة؟

أعضاء كتاتيب مصرون على العودة إلى كراسي العضوية، مما يشير بجلاء إلى احتياج الأندية الشبابية إلى الغطاء الرسمي والذي اضطرهم لتحمل كل هذا الأخذ والجذب. هل من المناسب أن نطرح تساؤلاً عن سبب توجه نادي كتاتيب للقراءة إلى أدبي مكة مع علمهم بما سيواجههم؟  كلا، فهذا شأنهم، السؤال هو لماذا تم التعامل مع الشباب الذي وثِق بهذه الجهة الحكومية بهذه الطريقة المهينة؟ ومع تنوع الرُؤى الثقافية وتجدد توجهاتها يظل السؤال الأكبر: فيما عدا إصدار اللوائح والأنظمة، ماهو دور وزارة الثقافة والإعلام؟ وإلى متى ستظل (الثقافة) مرتهنة بمبادرتها؟

يختم المطرفي حديثه قائلا: “هناك صراعات بين الحرس القديم الذي يرى بأن يكون النادي نخبوي أدبي وهو ما أدى إلى أن تصبح نشاطاته محدودة وغير جذابة لمعظم الشباب. إن النادي يئن من هذة الأفكار القديمة والبالية والغير متماشية مع روح العصر، ما يريده الشباب هو الحصول على ما يشبع نهمه الثقافي وأن يفهم ما يحدث من حوله وأن يكون ذلك سببا في تطوره وزيادة إنتاجه”.

يُذكر أنه جاء في رسالة نادي مكة الأدبي مانصه: “ويرعى المواهب الشابة في جميع فروع الثقافة .. ويبث روح المنافسة بين منتجيها”.

نبذة عن نادي “كتاتيب للقراءة”:

– نادي قراءة مقره مكة المكرمة منذ رجب ١٤٣٠ هـ الموافق ٥ يوليو ٢٠٠٩ م.

– عدد الأعضاء: ١٧

– انضم مؤسس النادي م. عبدالله الشهراني إلى مجلس إدارة أدبي مكة ٢٥ رجب ١٤٣٢ هـ.

– من منجزات النادي:

١- حملة “علم نافع”: توفير و توصيل الكتب بالمجان داخل مدينتي مكة وجدة .

٢- حملة “كتابي من كتاتيب”: توفير كتب للأيتام في بيت الطفل حيث يحصل كل يتيم على كتاب من اختياره من مكتبة جرير.

٣- توفير كتب لتعليم اللغة العربية للجالية التركية المهتمة بتعليم العربية في تركيا .

٤- عمل مكتبات للقراءة في أماكن الانتظار في العيادة الطبية لشركة الكهرباء بمكة المكرمة .

5 تعليقات

شارك بتعليقك

  1. abdulaziz :
    10 يناير 12, 1:43ص

    من المبكر جدا فرض الاندية الثقافية الشبابية خصوصا على وزارة الاعلام ،، حتى وان اقنعت الوزارة او من ينتمي لها كمؤسسات بدعم الجمعيات فليستعد الشباب لمسلسل لن ينتهي من الاملائات والشروط ونزع الخصوصية والحرية الفكرية.
    الأجدى هو البحث عن الدعم المستقل والصبر الى ان تتغير قناعات الوزارة الحالية.

    (رد)
  2. 21 يناير 12, 1:38م

    بعد أخذ ورد وشد وجذب تم اعتماد إنضمام نادي كتاتيب وبدأ أعضاءه في استخدام مرافق نادي مكة الثقافي الأدبي … الأيام القادمة ستحمل الكثير

    (رد)
  3. 22 يناير 12, 12:19م

    ماذا لو اتخذت نوادي القراءة من جمعية المكتبات والمعلومات السعودية مضلة لها ، لا أظن الجمعية تمانع من ذلك ، وحسب ما أعرفه أن لدى الجمعية برنامج لدعم أندية القراءة سيطلق في الأسابيع القادمة ،،

    (رد)
    • 30 يناير 12, 12:50م

      وهل هذه الجمعية تتمتع بالغطاء الرسمي

      (رد)
  4. 30 يناير 12, 8:17م

    جمعية المعلومات والمكتبات تابعة لجامعة الملك سعود

    (رد)

شارك بتعليقك